ابن حمدون
225
التذكرة الحمدونية
فمن ذلك أنه يستقر في الرحم استقرار الموافقة ، ويستوطن استيطان الملاءمة ، فلو كان [ له ] هناك عقل مع الحسّ لكره النقلة عن موضعه ، لظنّه أنه أوطأ مواضعه ، ولجهله بالأمر الذي فوقه . وهذه صورته في دنياه تريه البشرية أنها خير مواطنه فيفارقها ضنينا بها متأسّفا عليها ، وهو إذا حصل في التي بعدها حمد اللَّه على ما صار إليه ، ولم يحبّ العود إلى ما كان فيه ، لما أزاح اللَّه علَّته في العقل الآمر بالخير ، الناهي عن الشر ، ولم يعوّل به في كلّ أمره عليه ، ولم يكله في جميعه إليه ، بل بعث إليه أنبياء بآيات واضحة ، وبيّنات لائحة ، فأقاموا له الدليل ، ووقفوه على سواء السبيل ، وأرشدوه إلى الشرائع المنجية ، وحذّروه من الموارد المردية . كلّ ذلك عناية من خالقه به ، ورأفة منه عليه ، وإرادة للأصلح فيه . ولا يصلح أن يكون الموت مبيدا له إبادة لا رجعة فيها ، ولا إنابة منها ، لأنّ الحكيم يصير حينئذ مبتور الحكمة ، منبتّ العصمة ، وتعود البريّة إلى العدم عند انقراضها ، كما كانت قبل ابتدائها ، فينتقض الغرض في خلقها ، وتفسد العلة في إيجادها . وهو سبحانه أعظم من ذلك شأنا ، وأتمّ سلطانا ، وأكمل صنعا ، وأتقن عملا . فالمصير إذن من هذه الدار إنما هو إلى الأخرى التي هي أرغد وأفسح ، وأفضل وأصلح ، وحقيق على الإنسان أن يشتاقها وينازع إليها ويستحبّها ويثابر عليها ، إلَّا من خالف المأمور به ، وقارف المنهيّ عنه ، وحطب على نفسه ، وحمل على ظهره ، وأسخط خالقه ، واستحق عذابه ، فلا بدّ أن يتقاعس عن سوء المآل ، وأن يتعجّل إلى النّكال ، ومن وراء ذلك رب يحمله على العدل ، ويقضي [ فيه ] بالفصل ، من القصاص الذي يظهره [ 1 ] ، وبقدر ما احتقب من الآثام التي تدنّسه ، فتكون عقوبته بكسب يديه ، وعاقبته بالتفضّل [ 2 ] عليه . وقد نزّه اللَّه عن هذا المورد من أحسن العمل ، وسلك الجدد ، وقدّم في أولاه لآخرته ، وتزوّد من عاجلته لآجلته ، وأخذ من ممرّه لمقرّه ، واحتشد [ 3 ] لمقدمه في سفره ، وتلك